abdulla.emadi@gmail.com

الخميس، 25 مايو، 2017

قصة انقلاب

  قصة اليوم ليست قصة انقلاب عسكري، إنما تتشابه في بعض الجوانب مع قصص الانقلابات العسكرية التي تنطلق غالباً بالليل والناس نيام. القصة باختصار، ما قام به زميل في مهنة الكتابة والصحافة، بانقلاب على كل من وقف أمام وجهة نظر له يتبناها ولا يريد أن يتزحزح عنها قيد أنملة، رغم كل الشواهد الدالة على بطلان معتقداته وإيمانه بالرأي الذي يدافع عنه فترة من الدهر، التي تبدو أنها طالت أكثر من اللازم.
  الانقلاب الذي حدث وإن كان في مجال لا يقدم ولا يؤخر، إلا أنه نموذج حياتي واحد ضمن عشرات النماذج السلبية المتنوعة التي نلاحظها في واقع نعيشه. حيث كنا وإياه وعدد كبير من زملاء المهنة والقلم والإعلام في مجموعة "واتساب" كعادة أغلبنا مع هذا التطبيق. ويوم بعد آخر، يطرح الزميل موضوعات مستفزة، ومنها يوزع الأوصاف والاتهامات على هذا وذاك، من أفراد وجماعات وأحزاب ودول. تارة يتهم الآخرين بالخيانة، وتارة بالجهل وأخرى بعمى البصيرة وهكذا. فإن جئت تناقشه يرد باستفزاز وتوتر غريبين، جعلتا أفراد المجموعة يتحاشون الدخول معه في نقاش كي لا يتطور الأمر. إلى أن حدث قبل أيام وأعاد السيناريوهات السابقة وتوزيع الاتهامات على كثيرين بشكل غير مباشر، بسبب قضية سياسية. فدخلتُ في نقاش معه ليس لتخطئة رأيه، بل لأطلب منه سعة الصدر للرأي الآخر، فليس شرطًا أن ما يراه صحيحاً يكون كذلك عند الآخرين، والعكس صحيح، وأنه مثلما لا يجوز إجبار الناس على رأي واحد في فروع الدين مثلًا، فكيف تريدنا في أمور السياسة، حيث التغيير والتقلب المستمر؟ لكنه تمادى في الرد وبدأ يتلفظ بمصطلحات لا تليق بالموجودين في المجموعة، وانتهى الأمر على هذا.
  في اليوم التالي وكعادتي في تصفح المجموعات صباحاً، فإذ بي أجدني محظوراً من دخول المجموعة، ووجدت أنني محذوف خارجها بواسطة الزميل ! وتفاجأت أكثر حين وجدت آخرين قد تم حذفهم أيضاً، ممن كانوا لا يتفقون معه في آرائه. فعرفت أن انقلاباً تم بليل والناس نيام. وحمدت الله أن الانقلاب كان في مجموعة "واتساب" وليس في غيرها.
  الشاهد من الحديث، أن ما وقع من الزميل هو نموذج مبسط لما يدور حولنا كل يوم وعلى جميع المستويات. هذا مؤشر واضح على مدى ضيق بعض الصدور، رغم أنه ليس في اختلاف الآراء شيء يعيب، بل إن الأصل هو الاختلاف وهو الطبيعي، أو هو المطلوب أن يكون في كثير من أمور حياتنا، بما فيها الدينية من تلك التي لم يأت نص صريح واضح بشأنها. وما عدا ذلك فلا شيء في أن نختلف، لأننا في الأساس مختلفون في الأهواء والأمزجة والعقليات.
  مشكلة البعض في هذا الأمر، تجدها كامنة في فكرة قبول الرأي المخالف. تجده لا يستسيغ قبول الآخر بل ربما لا يتصور ذلك. والسبب في رأيي - كما أسلفت - هو ضيق الصدر وقصر النظر. هذا إضافة إلى ثقافة الإلغاء أو الإقصاء التي يكون قد نشأ عليها أو تعلمها أو مر بها في تجربة حياتية قاسية، دفعته إلى إحيائها من جديد ولكن مع الغير، ليجد في التجربة نوعًا من التنفيس عما بنفسه من مخزونات الماضي، أو رغبة في إكمال عقدة نقص يكون مبتلى بها ولا تزال شديدة التأثير عليه، وبالتالي لا يجد طريقة مناسبة - حسب اعتقاده - سوى تطبيق فكرة الإلغاء أو الإقصاء أو قهر المخالف، طريقة مناسبة للشعور بالارتياح، واستشعار قيمته أمام الغير!

  لماذا لا أقبل رأي غيري؟ ولماذا أفترض أنني على صواب دائمًا؟ ولماذا أفترض في الآخرين ما قد لا يكون صحيحًا البتة؟ بل حتى لو كان الصواب والحق معي بالفعل وبشهادة آخرين، فإن هذا لا يمنع أبدًا من أستمع إلى الغير، فلعل في هذا الرأي المضاد ما يفيدني في حياتي بشكل عام. لماذا لا يتسع صدري وأنظر إلى احتمالية وجود نسبة ولو ضئيلة من الصواب في الرأي المخالف؟ ولماذا لا أستفيد من هذه النسبة الضئيلة بدلاً من التركيز على النسبة الكبيرة الخاطئة، فإن إيقاد شمعة أفضل من لعن الظلام، كما يقول المثل الصيني.
  حين يظل المرء متمسكًا برأيه ومعتقدًا صوابه وصحته وبطلان رأي غيره، فإنما هو يقود نفسه إلى مرض نفسي أولاً ومن ثم يتبعه مرض عضوي آخر. فهذا الإنسان يكون في حال عدم استقرار وتوتر مستمرين، ولا يُشغل عقله سوى كيفية إثبات صحة رأيه وتخطئة آراء الآخرين، الأمر الذي يجعله لا يرى الصواب بعد حين من الدهر قصير، وبالتالي ستتكون غشاوة على بصره قبل عقله، فلا يرى سوى نفسه ويلغي الآخرين. وهذا المرض النفسي الذي يصاحبه بالضرورة قلق وتوتر، لا بد وأن يتبعه أمراض عضوية أخرى كما ذكرنا من تلك المنتشرة اليوم ويتحدث عنها الأطباء، كالقرحة وارتفاع الضغط والسكر وغيرها.
  خلاصة الحديث أن الإلغاء مرفوض في جدالنا الحياتي المتنوع. والبديل الطبيعي المنطقي هو الحوار. إنه الأداة الأسلم والأصوب لتجنب كثير من المشكلات الناجمة عن ثقافة الإقصاء أو الإلغاء. ومن هنا لابد لثقافة الحوار أن تسود مؤسساتنا كافة، انطلاقاً من دين رباني حنيـف يدعـو إلـى قيمة الجـدال بالتي هي أحســن، فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ، كأنه ولي حميم.
  إنها دعوة لتوسعة الآفاق والصدور لأجل قبول الرأي الآخر، لا لشيء سوى إظهار الحق لا غيره، ولأجل حياة هادئة خالية من التوترات والمنغصات وما أكثرها حولنا. وهذا التفاهم أراه ليس إلا نوعاً من الحكمة التي قلما تجدها في الناس.
 إنها إذن دعوة للحكمة، التي هي ضالة المؤمن، أنّى وجدها أخذ بها.


الخميس، 11 مايو، 2017

اتقوا المدح فإنّه الذبح !

 مما يروى عن القائد التتري تيمور لنك، أنه نظر إلى وجهه في المرآة ذات يوم، بعد أن تنعّم وتعوّد على حياة القصور والرفاهية، فانقبضت نفسه لمنظره القبيح، وأدرك أحد وزراءه المقربين ضمن حاشيته ذلك الأمر في تعبيرات وتقاسيم وجهه.. فأخذ في ممارسة دوره في المجاملة والإطراء، على عادة الحاشية والبطانة.. فقال له: إن مثلك أيها الخاقان الأعظم، لا يتحسر على فقدان جمال الوجه، وقد أعطاك الله تعالى بسطة في الجسم، وبسطة في القوة، وبسطة في الثروة والسلطان.. وإنما يتحسر ويحزن على جمال الوجوه، النساء وأشباه النساء من الرجال. فانبسطت أسارير تيمور لنك، وابتسم راضياً عما قاله الوزير - وهو يعلم أنه يجامله أو إن صح التعبير، ينافقه – ثم التفت إلى نصر الدين خوجة أو جحا، الذي كان حاضراً ساعتها، فرآه ينخرط في البكاء.. فقال له: ما خطبك يا جحا؟ أنا صاحب المصيبة تسليت، وأنت تأبى أن تتسلى! فقال جحا: معذرة يا مولاي، إن مصيبتي أكبر من مصيبتك أضعافاً مضاعفة! فأنت نظرت إلى وجهك مرة فانقبضت، فماذا أصنع أنا الذي أنظر إليك بالليل والنهار!

   لا يهمنا في هذا الحديث صراحة جحا وظرافته في الوقت نفسه، بقدر ما يهمنا الالتفات إلى ذاك الوزير المجامل أو المدّاح المنافق، الذي يعيش أمثاله - وما أكثرهم في عالم اليوم - على نفاق المسؤول ومجاملته، وأحياناً كثيرة - وهو الأسوأ - يعملون على قلب الحقائق بشكل يتماشى مع أهواء السادة المسؤولين، وبما يحقق لهم في النهاية مصالحهم المادية، التي هي أساس علاقتهم بالكبار أصحاب القرار..
   
المنافقون أو المداحون تجدهم في كل مكان وكل زمان. لا يخفون على أحد. إن صورهم واضحة معروفة، لاسيما اليوم ومن بعد أن أصبح أولئك المداحون، على دراية تامة بكيفية استغلال وسائل الإعلام المختلفة في تحقيق مكاسبهم الشخصية ومصالحهم.. ظناً منهم أن الناس لا تعي ما يقومون به من دجل وتزييف، وهم في غفلتهم هذه ماضون.

 لا شيء أن تمدح الآخرين، إن وجدت ما يستوجب المدح، لكن دون مبالغات. فقد مُدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يسمع ويرى، ومدح هو بعض الصحابة الكرام مثل أبي بكر وعمر. فقد وقف يومًا بين أصحابه، كما جاء في البخاري، فقال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة". قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعي من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " نعم وأرجو أن تكون منهم. ومدح كذلك الفاروق عمر في وجهه وقال له:" ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك".

    بالطبع حين مدح النبي الكريم بعض أصحابه وفي وجوهم، فإنما كان يعلم أن هذا المدح لن يفتنهم ولن يدفعهم إلى الاغترار بأنفسهم، وهذا هو الأمر المهم الذي ينبغي إدراكه حين يأتي أحدنا ويرغب في مدح آخرين بحق.. إنه بالقدر الذي كان يمدح النبي الكريم بعض أصحابه المستحقين للمدح، فإنه بالقدر نفسه كان حريصاً ألا ينتشر هذا الأمر، لخطورته على المادح والممدوح. فأما وجه الخطر على المادح، أنه حين يجد قبولاً من الممدوح لمديحه، وإن كان مبالغاً فيه، فقد يتجرأ بعد قليل ليواصل في هذا العمل، وخاصة إن كان من ورائه نفعاً مادياً ينتظره، فيدخل من حيث لا يدري أو يدري، عالم الكذب والنفاق والخداع وغمط الحق. وأما الممدوح فإن وجه الخطورة عنده متمثل في احتمالية وقوعه في فتنة الشعور بالزهو والفخر والترفع. ومن هنا جاء حديث " إياكم والتمادح، فإنه الذبح"، وما سمّاه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ذبحاً، إلا لأنه يميت القلب ويخرج الممدوح عن دينه، إضافة الى أن فيه ذبح للممدوح أيضاً كما أسلفنا، فيغتر بأحواله ويندفع نحو العُجب والكبر، ويرى نفسه أهلاً للمديح لا سيما إن كان ممن استهوتهم الدنيا..
  
  لذلك جاء في حديث المقداد رضي الله عنه أن رجلاً جعل يمدح عثمان رضي الله عنه، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب".
ولقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، عدم المبالغة في المدح إن كان الأمر يستدعي مدح إنسان لعمل أو صفة فيه، والتوجيه كان دقيقاً.. فقد مدح رجلٌ رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:" ويحك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك، مراراً.. إن كان أحدكم مادحاً لا محالة – أي لابد منه - فليقل أحسبُ كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ". فكم من المادحين من يأخذ بهذا التوجيه النبوي الدقيق حين يكيل المديح لفلان أو علان، وكم من الممدوحين من يقول في وجه المادحين: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون؟




الخميس، 4 مايو، 2017

حين تجتمع الأضداد في حياة الفاروق عمر

   حين تقترب أكثر فأكثر من شخصية وقامة عظيمة مثل الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ستجد أنه جمع الأضداد في شخصيته. تجده قمة في الشدة في موقف ما، لا يلبث أن تراه في أعمق معاني الرقة والرحمة في موقف بعده.. وقد تجده بركاناً فائراً حين يرى حرمات الله تُنتهك، ثم يذرف دموعاً غزيرة لمجرد إحساس بالتقصير تجاه أحد رعيته، حتى وإن لم يقصّر فعلياً في نظر من حوله، باعتبار أن معاييره ونظرته للأمور كشخص مسؤول مؤتمن، كانت تختلف عن عامة المسلمين.. وفي بعض ما جاءت به كتب الأخبار عن مواقفه مع رعيته، دلالة على ما نقول.

  أسلم جبلة بن الأيهم، آخر ملوك الغساسنة وكتب إلى الخليفة عمر يستأذنه في القدوم عليه، فرحب به وأدنى مجلسه. ثم خرج في موسم الحج مع عمر، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطأ على إزاره رجل فقير من بني فزارة، فالتفت إليه جبلة غاضباً فلطمه وهشم أنفه. فغضب الفزاري واشتكاه إلى عمر فبعث اليه فقال: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك في الطواف فهشمت أنفه؟

   قال جبلة: لستُ ممن ينكر، أو يكتم شيئاً. أنا أدَّبتُ الفتى. أدركتُ حقي بيدي ! قال عمر: أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم؟ يريد أن يقول عمر لجبلة بأن مثل هذه المفاهيم لا محل لها عنده، بل هي عند غيره، حيث يُقهر المستضعف العافي ويُظلم.. أما عندي فلا. هي جاهلية وأزحناها من حياتنا يا جبلة.
ثم قال عمر: ارض الفتى. لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك. قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقة وأنا صاحب تاج. إنني عندك أقوى وأعز. أنا مرتد إذا أكرهتني. قال عمر: عالمٌ نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف عندك أقوى وأعـز.   

   لم يستوعب جبلة ما كان يعنيه عمر.. لم يفهم أن الإسلام ساوى بين الناس، وأنه لا فرق بينهم إلا بالتقوى، ولم يفهم أن الارتداد عن الدين يستوجب حداً شرعياً.. فطلب جبلة من عمر أن يمهله إلى الغد، حتى إذا انتصف الليل، هرب نحو القسطنطينية حيث هرقل الروم، مرتداً عن دينه. حتى إذا أصبح الناس وطلب الفاروق جبلة، علم أنه فر، لكنه لم يبال ويهتم به، وإن كان ملكاً من ملوك العرب، وإن كان بارتداده سيرتد ألوف معه. عمر لا يقيم لمثل تلك الاعتبارات أي وزن، فإن ارتداد رجل عن الإسلام أهونُ عنده بكثير، من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم من مبادئه وهو المساواة بين الناس، وإقامة العدل بينهم، وخسارة فرد لا يمكن أن تُقاس بخسارة مبدأ.


 بمقاييس اليوم، سيعتبر البعض أن ما قام به الفاروق مع جبلة، عمل سياسي قصير النظر، وكان بالإمكان لملمة الأمر وتطييب خاطر فرد ضعيف لا وزن له في الأمة، مقابل مصالح كثيرة متوقعة من وجود شخص عظيم وملك من ملوك العرب ضمن الأمة المسلمة. لكن ثبات عمر على موقفه وشدته في الاقتصاص للمظلوم من ظالمه، رسخ معنى أن يعيش الناس أحراراً آمنين مطمئنين، لا يظلمون ولا يُظلمون. وبموقفه ذاك، عاش عمر في النفوس المسلمة إلى اليوم وإلى ما شاء الله أن يكون، قامة عظيمة شامخة راسخة، يترحم عليه الملايين المسلمة، ويعجب به كثيرون من خبراء وقادة الإدارة في العالم، ويعتبرونه مدرسة لوحده في عالم الإدارة.

قصته مع سيف الله المسلول، خالد بن الوليد وهو في أوج انتصاراته العسكرية وشيوع مقولة أنه لا نصر بدون خالد، جعلت الفاروق يخشى على المسلمين من أن يفتتن الناس بخالد، وتتعمق تلك الفتنة والاعجاب، فيقرر في وقت حرج للغاية عزله عن قيادة جيوش الفتح، ويتحول خالد الى جندي في الجيش بعد أن كان هو قائد الجيوش.. لم يفكر عمر في تبعات قراره ذاك، ولم يرد بخاطره احتمالية أن يتمرد خالد ويعترض، وقد كان يملك زمام القوة العسكرية الضاربة للدولة، وفي الوقت ذاته هو بعيد عن الخليفة، ولو أراد الخروج عليه وإعلان نفسه أميراً للمسلين حينها لاستطاع، بل ولسار معه الألوف. لكن لم يفكر عمر في تلك الاحتماليات، بل وخالدٌ كذلك، لم يفكر البتة.

 عمر أراد من عزل خالد أن يحفظ ايمان المسلمين، وألا تتعلق قلوبهم بغير الله في مسائل النصر، وأن يكون توكلهم على الله وحده لا على أي إنسان، مهما علا شأنه وقدره وإيمانه أيضاً. إنه يرسخ لمبادئ وقيم في النفوس المسلمة وهي بعدُ حديثة عهد بالدين، فإن بناء الأمم لا يكون إلا وفق مبادئ ومفاهيم راسخة بالنفوس، وهي التي أرادها عمر أولاً قبل الاستمرار في الفتوحات والمكاسب والمغانم. فيما خالد لم يعترض وإن لم يتقبل الأمر، لكنه يعلم يقيناً أن ابن الخطاب لا يصدر أمراً وفق هوى أو مزاج. وقد أدرك خالد في نهاية حياته، أن الفاروق ما أقدم على قراره ذاك، إلا لأنه رأى مصلحة الأمة أولاً قبل أي مصلحة أخرى.

 الأمر يتكرر مع صحابي عظيم مثل عمرو بن العاص، وكان أميراً على مصر. حيث أمره الفاروق أن يحضر هو وابنه إلى المدينة من فورهم دون أي تفصيلات أخرى، حتى إذا ما وصلا، جمع الفاروق الناس وأقام محكمة علنية لابن أحد أمرائه الكبار، الذي اعتدى على أحد الرعية دون وجه حق، وطلب من القبطي أن يقتص من ابن الأكرمين، بل وطلب أن يقتص من أبيه أيضاً لأنه ما فعل الابن فعلته إلا لشعوره بأنه ابن الحاكم..  وقال الفاروق يومها:" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ".

   عاد عمرو الى مصر متأثراً بما حدث له أمام الناس بفعل حماقة ارتكبها ابنه، لكن لم تأخذه العزة بالإثم، ولم تحدثه نفسه أبداً التمرد على عمر، والانفراد بمصر واعلانها دولة له، كما كان شائعاً قبل الإسلام وبعده أيضاً.. وقد كان بإمكانه ذلك وهو من هو في الدهاء والحنكة السياسية. ولك أن تدرك معنى هذا الحديث حين تقرأ عن الكم الهائل من الثورات والتمردات التي حدثت على الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم من بعد انتهاء الخلافة الراشدة. لكن عمرو يعلم أن الفاروق ما قام بذاك الإجراء إلا لأنه يريد إقامة العدل الإلهي في أمة مسلمة ناشئة. إنه يدرك بأن عمر ما انتصر يوماً لنفسه أو انتقم من أحد لخلاف شخصي أو أمر دنيوي.


تميز الفاروق عمر بالمركزية الشديدة في الإدارة والقيادة.. فقد كان يوصي ولاته وأمراء البعوث والجيوش وغيرها باتباع تعليماته بدقة، وعليهم في كثير من الأمور الرجوع إليه قبل الشروع في الأمر، وهو ما قد نراه اليوم صعباً في عالم الإدارة وربما يسمي البعض هذا الأسلوب بالديكتاتورية!

لكن حين التأمل في أسلوب الفاروق رضي الله عنه ، نجد أنه لم يكن بالطبع ديكتاتوراً بالمعنى المتعارف عليه اليوم ، ولكن لشدة حرصه ألا يضيع حقٌ لله ولا لمسلم أو الدولة أو أن يتحمل وزر أحد يوم القيامة، أصبح  دقيقاً في متابعة أعمال المسؤولين بالدولة بنفسه، يريد بذلك الاطمئنان إلى أن الأمور كلها تسير وفق شرع الله ، وهو يدري أن ولاته وقادته من خيرة الصحابة ومن مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن مع ذلك كان يتابع التفاصيل بنفسه، رغم أن هذا الأسلوب أتعبه كثيراً بدنياً ونفسياً ، لكن ما اختار  ذاك الأسلوب إلا لعلمه أنه الأصلح له والمتوافق مع طبيعته.


   وجد الصحابة الكرام في مواقف لا تحصى، بأن الفاروق عمر ما انتصر يوماً لنفسه أو اتخذ قراراً وفق مزاج أو هوى.. عدالته، وإن كانت قاسية على بعض النفوس حيناً، إلا أنها جلبت احترام الجميع له، مسلمين وغير مسلمين.. ثباته على المبادئ ورغبته الأولى والدائمة على أن يؤدي أمانة الخلافة بالشكل الذي يرضي ربه، جعلته لا يهادن ولا يخاف في الله لومة لائم، بل إن كل من كان حوله من كبار الصحابة العظام الكرام، أخذوا عمر مقياساً ومعياراً، به يقيسون أنفسهم في تعاملاتهم مع الآخرين، وأداء أماناتهم وواجباتهم. والمقولة التاريخية (عدلت فأمنت فنمت يا عمر) جاءت على لسان غير مسلم.. تلك العدالة وغيرها من مزايا وصفات نادرة في الفاروق، جعلته من أعظم شخصيات الإسلام بعد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر.. فرحم الله الفاروق عمر، ورضي عنه وأرضاه.      

الخميس، 27 أبريل، 2017

الرحلة الكونية العجيبة ..

  
   لم تكن ولن تكون هناك أعظم ولا أغرب من رحلة قام بها إنسان من لدن أبينا آدم إلى يوم القيامة، مثل رحلة الإسراء والمعراج التي قام بها خير الخلق والبشر محمد، صلى الله عليه وسلم، بمعية خير الملائكة وسيدهم، جبريل عليه السلام، من مكة إلى الأقصى ليلاً، ومن ثم العروج معاً إلى السماوات العلا وما فوقها، مستخدمين دابة تسمى البراق، لا نعرف طبيعتها، سوى أنها تضع قدمها حيث منتهى نظرها أو رؤيتها!
  
  هي رحلة غير عادية، لتكريم إنسان غير عادي، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. رحلة تكريمية في وقت ضاقت الدنيا على النبي الكريم بما رحُبت. حيث الأذى المستمر والتضييق الشديد عليه وعلى أهله وعشيرته من جانب عقول متحجرة وقلوب غليظة قاسية.. قلوب أبي جهل وأمية مع عتبة وعقبة، يشد أزرهم أقرب المقربين للنبي الكريم، أبو لهب وزوجته حمالة الحطب.

  في ظروف قاسية كتلك، يأتي التكريم والدعم السماوي عبر أمر خارق لكل قوانين الكون ونواميسه. يبدأ التكريم والدعم برحلة أرضية غاية في السرعة، من مكة إلى فلسطين، ليهبط في المسجد الأقصى – حرره الله من دنس الصهاينة – ليجد بقدرة إلهية وقد تجمع الأنبياء والمرسلون ينتظرونه صلى الله عليه وسلم، ليصلي بهم. حتى إذا ما انتهت الصلاة، استمر النبي الكريم مع صاحبه جبريل في رحلة التكريم، لكنها سماوية والعروج إلى السماوات السبع وسدرة المنتهى ثم البيت المعمور، وصولاً إلى نقطة نهائية غير مسموح لأي مخلوق تجاوزها، أو مقام معلوم يقف عنده كل مخلوق، حتى وإن كان هذا المخلوق عظيم الملائكة وسيدهم، جبريل عليه السلام.. لينطلق محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وحيداً للتشريف بلقاء الله عز وجل، وما دار بينهما من أحاديث وتفاصيل، يمكن الرجوع إليها لمن أحب الاستزادة، في كتب الأحاديث والتفاسير المختلفة.

  
  الرحلة الكونية العجيبة هذه، معجزة لا يمكن للعقل البشري أن يستوعبها بتفاصيلها الدقيقة، أو الخوض فيها كثيراً أو اخضاعها لمحددات العقل البشري، التي من شأنها الدفع إلى الإنكار والشك والتكذيب، والدخول في متاهات الكفر والعياذ بالله.  
  
  إن التقدم العلمي اليوم، لابد أنه سيكون عاملاً مساعـداً على قبول وتصديق مثل هذه المعجزة. ذلك أن إنكار السفر عبر الفضاء لإنسان، وبالسرعة التي كانت عليها رحلة الإسراء والمعراج، لم يكن بالأمر السهل أن يتجاوزه عقل البدوي في وقتها، لكن اليوم الأمر يختلف، باعتبار أن الإنسان بعلمه المحدود جداً مقارنة بعلم الله المطلق، استطاع مثلاً أن يخترع مركبة فضائية في طريقها الآن إلى كوكب زحل، وتصل سرعتها إلى 265 ألف كيلومتر بالساعة. فإذا استطاع الإنسان اختراع آلة بهذه السرعة الرهيبة، فكيف لا يتم تصديق سرعة البراق، الذي امتطاه النبي الكريم وصاحبه جبريل عليه السلام في رحلة الإسراء والمعراج، وقطع المسافات الشاسعة في زمن قليل؟    
 
د. أحمد زويل
 الرحلة كما أسلفنا، معجزة أراد الله بها دعم نبيه أمام المكذبين المنكرين من قومه. أعطاه الله وأكرمه بمعجزة قطع المسافات الهائلة في زمن لا يمكن استيعابه بالعقل البشري في ذاك الوقت، وإن كان عدم الاستيعاب مستمر إلى اليوم عند البعض، على الرغم من قدرة الإنسان في الوصول إلى اختراعات هائلة في مجال السرعات وقياس المسافات، مثل الاختراع الذي وصل إليه الفيزيائي المسلم الراحل أحمد زويل وفريق من علماء أمريكان، المسمى (فيمتو ثانية) وهو نظام قادر على التصوير بسرعة عالية جداً، وبه يمكن رؤية حركة الذرات في المواد..  


د.صبري دمرداش
 الإسراء والمعراج إذن، حدث كوني وقع في ( اللازمن ) كما يقول العالم الرباني الراحل صبري دمرداش.. وقع الحدث بقدرة الله المطلقة، حيث تتعطل وفق المشيئة الإلهية كل القوانين والأبعاد الكونية المعروفة، فلا زمن ولا مسافات. رأى خلالها النبي من آيات ربه الكبرى.. وبعبارة أخرى، سافر الحبيب إلى المستقبل ورأى الجنة والنار والكثير الكثير من المشاهد، ثم عاد إلى بيته في مكة ولا يزال فراشه دافئاً كما تقول أم هانئ بنت عم الرسول صلى الله عليه وسلم، التي كان الحبيب قد نام ببيتها ليلة الإسراء.. فأي قوة هذه تأخذ بإنسان من مكة الى فلسطين ثم العروج به للسموات وما بعدها والعودة به إلى بيته، ويبقى الفراش دافئاً لم يبرد؟ لا شك أنها قوة مطلقة، كما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله.. فإن قطع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة، أي أن الزمن يتناسب تناسباً عكسياً مع القوة. فلو أردنا مثلاً الذهاب إلى المدينة المنورة، سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة. فكلّما زادت القوة قلّ الزمن، فما بالك لو نُسب الفعلُ والسرعةُ إلى الله تعالى؟ فإذا كان الفعل من الله فلا زمنَ، أي إنها رحلة خلت من الزمن، لأنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قدر قوة الفاعل.


   المساحة لا تتسع لكثير شروحات وتفصيلات في هذا الحدث الكوني العجيب، الذي كلما قرأ أحدنا فيه وبحث وتأمل، ازداد إيماناً وخشوعاً، خاصة أننا نعيش عصر الفضاء والفيزياء وعصر السرعات الهائلة، على عكس أيام النبي الكريم وصحبه، وعلى رأس الصحابة جميعاً أبوبكر، الذي آمن وصدّق بالحدث دون أي نقاش أو شك، ولم يكن عنده يومذاك ما عندنا من علوم الفيزياء والفلك وغيرها..
  
  إن الإسراء والمعراج، حدثٌ نتذكره كل عام، لا لنختلف في تفصيلاته، بقدر ما هو مناسبة طيبة، وفرصة لتعميق الإيمان وزيادة الحب لهذا النبي الكريم العظيم، عليه وعلى آله وصحبه أفضل السلام وأزكى التسليم.

          

الخميس، 20 أبريل، 2017

سورة النفوس البشرية

  سورة يوسف، من السور القرآنية التي جاءت تحكي قصة كاملة من البداية للنهاية، على عكس سور قرآنية أخرى كثيرة. فترى سورة تتحدث عن مشهد من قصة نبي، ثم تأتي سورة أخرى لتجد مشهداً جديداً لذاك النبي، وسورة ثالثة ومع مشهد ثالث وهكذا، إلا سورة يوسف، التي يمكن أن نطلق عليها هنا بسورة النفوس البشرية.   

 في هذه السورة ستجد نفوساً بشرية متنوعة، هي نفسها التي تتكرر منذ بدء التناسل البشري، وقصة ابني آدم هابيل وقابيل، وما بعدهما إلى يوم الناس هذا.. تجد النفس الطيبة والنفس الحقودة، وثالثة شريرة، ورابعة ساكنة، وأخرى قلقة، إلى آخر قائمة النفوس البشرية المختلفة.
  
  نجد النبي يعقوب عليه السلام يجسّد لك معاني الأبوة الحقة، ونفسية الأب الحنون المشفق، وما يعني فقدان الولد من بعد استشعار خلافات الأبناء وطغيان شعور الحسد بينهم، ليصل ذروته في لحظات من غيبوبة العاطفة العائلية، إلى حدوث تفكير جماعي شرير للتخلص من أخيهم الضعيف، بعد فقدان الإحســاس بتبعات هذا المخطط الشيـطاني، وأثره البالـغ العمـيق على أبيـهم الشـيخ الكبيـر  ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينَا مِنا وَنَحْنُ عُصبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفي ضَلَالٍ مُّبين..)  فهكذا هي النفس الحسودة وما تفعل.
   
  ثم ننتقل بعد ذلك إلى مشهد آخر لنرى نفساً قلقة ضمن نفوس حاقدة حاسدة شريرة، لم يمنعها مع كل ذلك الشر المحيط بها، أن تتحرك بأعماقها ذرات من الخير، جعلتها لا تهنأ بعض الشيء مما يًحاك ضد نفس بريئة مسالمة، فتعيش تلك النفس القلقة بالتالي توتراً كانت ثمرته إيجابية رائعة، تمثلت في فكرة تفتق الذهن عنها في أحلك وأحرج الأوقات، وكانت بمثابة منقذ نفس بريئة من موت محقق.. (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).. تغيرت الخطة في اللحظات الأخيرة بسبب تلك النفس القلقة، فيقرر الإخوة إلقاء أخيهم الضعيف يوسف، في بئر بعيدة عوضاً عن قتله، لتدخلنا السورة بعد تلك المؤامرة في مشاهد جديدة ومع نفوس أخرى ستظهر على مسرح الأحداث تباعاً..
  

  ظهرت نفوس عدة في شخص نبي الله الكريم يوسف عليه السلام. أولاها، تلك النفس الخائفة المرعوبة.. طفل صغير يُلقى في بئر بعيدة عن الديار، حيث وحشة الأعماق وظلمته، وموت بطيء قادم رغم وجود الماء.. ثم تستمر حالة الخوف معه بعد أن ظن الفرج قد جاءه عبر قافلة سيارة توقفت من أجل الماء، وانتشاله من جوف البئر، ليواجه نفوساً طامعة رأته مالاً وذهبا، فكان مصيره الدخول إلى عالم الرق، وإن كان عالماً مختلفاً. فقد بدأ حياة الرق في بيت عز وسلطان، بيت عزيز مصر أو رئيس وزراء الملك يومها، حيث عاش في بيئة فاخرة مرفهة ولكن بنفسية المغترب، التي تتطلب الكثير من الحذر والأدب والأخلاق، لاسيما أنه بدأ يخدم في القصر، حيث الأجواء المخملية التي تكون غالبة على القصور بشكل عام.
   
  يشب يوسف عليه السلام فيزداد نضارة شبابية أضافت إلى جماله الأصلي، جاذبية تأخذ بالألباب، لاسيما ألباب وقلوب قوارير القصر وزائراتها، وكانت أبرزهن حينذاك، صاحبة النفس المرفهة، التي لا يُرد لها طلباً، زوجة العزيز نفسه.. حيث تسببت، بفعل قوة وفوران الغريزة البشرية عندها في وقت ما ولظروف معينة بالقصر ربما، إلى دفع نبي الله يوسف للانتقال من نفسية المغترب المؤدب الخلوق، ليعيش نفسية المتوتر الحائر، فعاش في تدافع داخلي عجيب بين أمرين لا ثالث لهما..
الأول مع سيدته الجميلة ذات الجاذبية الأنثوية التي لا يُرفض لها طلباً، تأمره بأمر لا يقدر هو أن ينفذه، باعتبار تربيته الدينية وبيت النبوة الذي ينتمي إليه، ورغم قوة وعنفوان الشباب التي كان قد وصل إليها والجو المهيأ في القصر.. وباعتبار أنه ليس من الوفاء قبل أن يكون من الورع والدين، أن يسيء إلى جميل سيده العزيز، الذي أكرم مثواه.. والأمر الثاني أن يتعرض لمشكلات لا يدري كنهها بعد، وهي واقعة لا محالة، سواء نفذ أمر سيدته أم لم ينفذ.
  
  عاش نفسية المحتار المعذَّب حيناً من الدهر قصير، وإن كان طويلاً وقاسياً بالنسبة ليوسف، الذي لا أشك لحظة أنه استحضر وشعر مرارة ما قام به إخوته، الذين هم السبب الأول في محنته التي يواجهها الآن. تلك المحنة التي ازدادت وصارت واقعاً أكثر مرارة، بعد أن انتهى مشهد زوجة العزيز والنسوة وانكشاف أمرها أمام زوجها، حيث دخل السجن، ليعيش حياة أخرى لا شك أنها ستكون قاسية.. حيث عاش سنوات عجاف ما بين نفسية المظلوم المقهور، ونفسية الصابر المحتسب إلى أن جاءت قصة رؤية الملك التي قام بتأويلها يوسف، وحدث ما حدث بعد ذلك من تبرأته واعتراف زوجة العزيز بالمكيدة، ليبدأ حياة جديدة، ليست الحرية أبرز مظاهرها فحسب، بل القوة والسلطان. حيث عاش بنفسية من يملك الصلاحيات والإرادات والقوى، ومن يأمر فيُطاع، بعد أن استخلصه الملك لنفسه وجعله الوزير الأول في المملكة.
  
   ثم مر النبي يوسف بعدها بمشاهد أخرى مع إخوته، وهم بؤساء جاءوا يطلبون معونته، وهم له منكرون لا يعرفونه.. ولا أستبعد هنا أيضاً من النبي يوسف، وهو يستعرض مشاهده المختلفة السابقة مع إخوته، أن تكون مشاعر ونفسيات مختلطة قد جالت بنفسه، ما بين نفسية الغاضب الراغب في الانتقام منهم، ونفسية المشفق عليهم في الوقت ذاته، فهم في نهاية الأمر إخوته، الذين نزغ الشيطان بينهم وأفسد علاقاتهم الأخوية، فكانت الكلمة أخيراً للنفسية التي تربت على الإيمان بالله، واعتبار ما وقع ليس سوى ابتلاءات، وأحسن الأداء فيها بفضل الله ورعايته، فآتاه الله جزاء ذاك الصبر، المُلك والسلطان وعلمه تأويل الأحاديث، ثم توفاه مسلماً وألحقه بالصالحين.. عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.